احكام الوقف وفق مدونة الأوقاف والمذهب المالكي
https://abdelmalek.business.blog/2022/08/20/22/

من اعداد :عبد المالك عقلية
مقدمة
لم أجد مقدمة يمكن أن أقدم بها هذه الدراسة خير من الديباجة التي استهل بها أمير المؤمنين جلالة الملك المعظم محمد السادس الظهير الشريف المنظم للأوقاف إذ جاءت هذه الديباجة جامعة مانعة ، عامة شاملة ، وتضمنت البيان الوافي لأحكام الوقف ، مما يمكن معه القول أن هذه الديباجة قد أكدت تمسك جلالته بجعل الشرع الإسلامي مصدر لها ،مع تفصيل لما أجمل في هذا الشرع، وتقييد لما أطلق ،و تخصيص لما هو عام، و تشريع لما سكت عنه الشرع الحميد بنظرة حديثة معاصرة مع حفاظ هذه النظرة على القواعد العامة للشرع الإسلامي و أصوله المقررة وإذا كان الأمر كذلك فلابد لكل مهتم بالموضوع الرجوع إلى ما تضمنته هذه الديباجة و الأخذ بها
ونص الديباجة ما يلي: ” …. بحكم الإمامة العظمى التي طوق الله بها عنقنا، والأمانة الكبرى التي حملنا إياها، والقائمة على حماية حمى الملة والدين، ورعاية شؤون هذا البلد الأمين؛
واهتداء بنهج أسلافنا الميامين ملوك الدولة العلوية الشريفة، المجبولين على العناية بالأوقاف وحمايتها من كل ترام أو ضياع؛
وتكريسا من جلالتنا الشريفة لروح التجديد والتحديث التي جعلناها من ثوابت سياستنا في تدبير أمور مملكتنا الشريفة؛
ووعيا منا بأهمية الوقف، وبدوره الطلائعي، باعتباره ثروة وطنية وعنصرا فاعلا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد؛
ورغبة منا في تأطيره تأطيرا قانونيا حديثا، يمكنه من مواكبة التحولات الشاملة التي تعرفها بلادنا، ويراعي خصوصيته المستمدة من أحكام الفقه الإسلامي؛
وإيمانا من جلالتنا بأهمية تقنين القواعد الفقهية المتعلقة به، بما يدرأ تعدد الأقوال واختلاف التأويلات بشأنها، ويجمع شتاتها، ويحقق لها الانسجام مع مكونات المنظومة التشريعية المغربية؛
ومواصلة منا لمسيرة تحديث القوانين التي انطلقت في عهد جلالة والدنا المنعم أمير المؤمنين الحسن الثاني طيب الله ثراه، والتي أوليناها فائق عنايتنا وكبير اهتمامنا من خلال الحرص على مواكبتها لأحدث الأنظمة القانونية المعاصرة؛
وفقا لهذا المنهج، قررنا إصدار مدونة للأوقاف تجمع الأحكام الفقهية المتناثرة للوقف، وتحسم التضارب في أموره المختلفة، وتعيد تنظيم أحكامه القانونية شكلا ومضمونا، بما يضمن تقيدها بأحكام الفقه الإسلامي، ويضفي عليها طابعا عصريا متميزا؛
وتأكيدا من جلالتنا على استقلالية الوقف المستمدة من طابعه الإسلامي الخالص، فقد أثرنا من خلال هذه المدونة المحافظة على خصوصيته، وتزويده بوسائل قانونية حديثة تضمن له الحماية الناجعة، وبنظم تدبيرية تيسر حسن استغلاله والاستفادة منه، وبطرق استثمارية تمكنه من المساهمة في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيد له دوره الريادي الذي نهض به عبر تاريخ بلادنا المجيد؛ “
وسوف نتناول موضوع احكام الوقف في الفصول التالية:
الأول تعريف الوقف وأركانه والثاني: اثار الوقف وشروطه والثالث أنواع الوقف: الوقف العام والخامس التصرفات الجارية على الوقف: المعارضات النقدية. المعاوضات العينية بيع منتوج الأشجار والغلل ومواد المقالع العائدة للاوقاف. الكراء بما فيه كراء الأملاك الوقفية غير الفلاحية والأملاك الوقفية الفلاحية وتصفية الحقوق العرفية المنشأة على الأوقاف العامة. الوقف المعقب والمشترك وتصفية الأوقاف المعقبة، الوقف المشترك،
الفصل الأول تعريف الوقف وأركانه:
المبحث الأول: تعريف الوقف:
الوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى واحد، وهو لغة: الحبس عن التصرف يقال: وقفت كذا؛ أي حبسته
والوقف قانونا عرفته المادة الأولى من مدونة الأوقاف بأنه ” الوقف هو كل مال حبس أصله بصفة مؤبدة أو مؤقتة، وخصصت منفعته لفائدة جهة بر وإحسان عامة أو خاصة. ويتم إنشاؤه بعقد، أو بوصية، أو بقوة القانون.
يكون الوقف إما عاما، أو معقبا، أو مشتركا.
وعرفه المالكية:” هو إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لا زما بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرا “
وقوله إعطاء منفعة : للتفريق بين الهبة والمنفعة ،كون الوقف يعطي المنفعة
وقوله مدة وجوده : على التأبيد
وقوله تقديرا : المراد به التعليق
وبهذا فقد اتفق التعريف القانوني مع تعريف المالكية وهذا يدل على وعي تشريعي مبكر
كما يشترك الوقف مع ماذهب اليه الفقه المالكي بكون الوقف قد يكون على التأبيد كما يكون على التأقيت
المبحث الثاني: أركان الوقف:
لقد تناولت المدونة أركان الوقف في المادة الثالثة اذ حددت أركان الوقف في أربعة وهي: الواقف والموقوف عليه والمال الموقوف والصيغة باعتبار أن الركن ما لا يتم الشيء إلا به، سواء أكان جزءا منه أم لا؟
ولقد نصت المادة 22 من المدونة ” يجوز أن يكون الوقف ناجزا أو معلقا على شرط واقف، وفي هذه الحالة الأخيرة لا يكون الوقف لازما إلا إذا تحقق هذا الشرط.”
وقال المالكية اتبع شرط الواقف إن جاز ولو كان مكروها ولم يمنع شرعا، والحاصل أنه وجب العمل بشرط الواقف كنص الشارع لدى قال بعض الفقهاء نصوص الواقف كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل.
أولًا: الواقف
إذا كان الوقف يمكن أن يكون من شخص ذاتي أو أن يكون شخصا اعتباريا فلا بد من توفر شروط في الواقف وهو كالواهب فما يتطلب في الواهب مطلوب في المحبس وهي:
: شروط الواقف:
أ – أهلية الواقف للتبرع فلابد أن يكون الواقف عاقلا بالغا لسن الرشد القانوني فلا يصح وقف الصبي سواء كان مميزا أو غير مميز وذلك لخطورة التبرع كما يتعين أن يكون الواقف غير محجر عليه لسفه أو فلس كسائر التصرفات المالية، كما أنه ينقض وقف مريض أحاط دينه بماله وان لم يكن الدين محيطا بمال الواقف، صح،
والوقف في مرض الموت كالهبة فيه، ينفد كالوصية من الثلث، فإن خرج من الثلث أو أجازه الوارث، نفذ في الكل وبطل ولقد نصت المادة السادسة من مدونة الأوقاف أنه ” يعتبر وقف المريض مرض الموت لازما، ويعطى حكم الوصية طبقا لأحكام مدونة الاسرة.”
وهذا الاتجاه في المدونة هو الذي به العمل عند جمهور الفقهاء اذ يكون الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية في اعتباره من ثلث المال ، لأنه تبرع ، فاعتبر في مرض الموت من الثلث، كالهبة ، فإذا خرج من الثلث نفذ من غير رضا الورثة ولزم ، وما زاد على الثلث لزم الوقف منه في قدر الثلث ، ووقف الزائد على إجازة الورثة ، لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض فمنع التبرع بزيادة على الثلث ، كما يرى المالكية انه يبطل الوقف على وارث بمرض موته ولو كان من الثلث، لان الوقف كالوصية ولا وصية لوارث ، وان لم يكن الوقف في المرض على وارث، بل على غيره ، ينفذ كسائر التبرعات من الثلث ، فإن حمله الثلث صح ، والا فلايصح منه الا ما حمله الثلث واستثنى المالكية الوقف المعقب سواء أكان له غلة أم لا : وهو ما وقفه المريض على أولاده ونسله وعقبه ، فان حمله الثلث صح ، ويكون حكمه في القسم كالميراث للوارث ، وليس ميراثا حقيقة ، اذ لا يباع ولا يوهب ، فيكون للذكر مثل حظ الانثيين ، ولو شرط الواقف تساو بهما ، ويكون للزوجة الثمن من مناب الأولاد وللأم السدس والحاصل أن وقف المريض عند المالكية يبطل لأنه وصية لوارث
ب: أن يكون مالكا للمال الموقوف، وله مطلق التصرف فيه وإلا كان عقد الوقف باطلا
إذا اشترط الواقف الرجوع عن الوقف عند افتقاره ’ ففي هذه الحالة يكون الرجوع تنفيذا لشرط مشروع من الواقف الذي يبقى أولى بماله من غيره.
ثانيا: الموقوف
ان الشيء المراد تحبيسه لا يخلو حاله من صور خمس اما أن يكون أصلا( وهو الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر ) أو عرضا( وهو يفسر في كل موضع بما عدا مقابله فهو هنا ما ليس بأصل ولا حيوان ولا طعام) فيشمل الثياب و الكتب وغيرها ولاعين (وهي الذهب و الفضة ويدخل فيها النقود) أو حيوانا أو طعاما أو عينا وحكم هذه الصور في جواز التحبيس وعدمه أن الأصل والعرض والحيوان يجوز تحبيسها ويكون مندوبا ، اتفاقا في الأصول وعلى الراجح في الحيوان والعروض و اما العين والطعام فإن أريد من تحبيسهما مجرد السلف جاز وندب وان أريد من تحبيسهاغير السلف لم يجز وكان باطلا.
يتعين ان تتوافر في الموقوف شروط وهي:
أ – أن يكون ذا قيمة ومنتفع به شرعا فيجوز تحبيس العقار والمنقول قال الباجي: تحبيس الرباع جائز اتفاقا ان ملك بشراء أو نحوه وفي صحة الوقف ما يعرف بعينه (كطعام) ودنانير ودراهم ليسلف من يحتاج اليه ويرده مثله وفقا في محله وهناك من الفقهاء من لا يجيز تحبيس الطعام، لأن منفعته في استهلاكه ولا يصح وقف ما ليس بمال متقوم شرعا كالمسكرات لانها لا يتحقق بها المقصود من الوقف وهو نفع الموقوف عليه ومثوبة الواقف، ولان الوقف يبطل عند المالكية لمن يستعين به على معصية.
كما أنه يجوز وقف المنقولات كالكتب والثياب وان كان فيها خلاف في المذهب لان الخلاف جار في كل منقول وان كان المعتمد صحة وقفه وهو ما أخدت به مدونة الأوقاف خلافا للحنفية فإنهم يمنعون.
ب – أن يكون مملوكا للواقف ملكا صحيحا أجمع الفقهاء على أن الوقف لا يصح ولا يلزم إلا اذا كان الموقوف ملكا للواقف في الجملة ، والا كان باطلا لان الوقف تصرف يلحق رقبة العين الموقوفة فلابد ان يكون الواقف مالكا لها ، او يملك التصرف في الرقبة بالوقف
ونرى وقياسا على الملك الصحيح يتعين أن يكون الملك تاما، أي لا خيار فيه، فمن اشترى شيئا بعقد بيع فيه خيار للبائع ثم وقفه خلال مدة الخيار لم يصح الوقف، لأنه وقف ما لم يملك ملكا تاما، لأن هذ البيع غير لازم وفي المذهب المالكي لا يصح وقف مرهون ومؤجر ما لم يكن الواقف قاصدا بوقفها من الآن أنها بعد الخلاص من الرهن والاجارة تكون وقفا صح ذلك إذ لا يشترط في الوقف التنجيز.
ويرى المالكية عدم جواز وقف الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة، لأن شيوع الموقوف في غيره قد يحول دون استغلاله، وقد يكون مثارا للمنازعة
الموقوف عليه:
الهدف من الشيء الموقوف انما هو الموقوف عليه ، ولقد استفاظ الفقهاء فشرائط الموقوف عليه فمنهم من قال ان الشرائط المطلوبة في الموقوف عليه لأجل صحة الوقف وذلك على النحو التالي:
الشرط الأول : أن يكون الموقوف عليه جهة بر لأن الأصل في الوقف أن يتقرب به العبد الى الله تعالى بالانفاق في أوجه البر المختلفة والمالكية لا يشترطون القربة في الوقف ،ولكنهم يشترطون أن لا يكون على جهة معصية .
الشرط الثاني : عدم انقطاع الجهة الموقوف عليه أي أن تكون جهة البر في الموقوف عليه دائمة الوجود الا أن المالكية لا يشترطون هذا الشرط اذ يصح عندهم الوقف المنقطع مطلقا بناء على أصلهم في جواز الوقف مؤقتا ومؤدبا وبهذا القول أخذت مدونة الأوقاف
يصح ان يكون الموقوف عليه انسانا أو غيره ويصح على الموجود والمعدوم، والمعين، والمجهول، والقريب والبعيد
والمحبس عليه اما معين أو غيره،
فالمعين اما واحدا، أو اثنان أو جمع، وغير المعين أو الجهة مثل الفقراء والمساجد والمدارس،
يشترط في الوقف على معين بالاتفاق كونه أهلا للتملك وإذا كان الموقوف عليه المعين ناقص الاهلية تعين على نائبه الشرعي أن يقبل عنه الوقف فإن لم يكن له نائب شرعي، عين له القاضي من يقبل عنه المادة 19 من المدونة
الشرط الثالث : ألا يكون الموقوف عليه هو الواقف نفسه، لان الوقف على النفس مناقض لمقتضى عقد الوقف الذي يلزم فيه إخراج الموقوف من ذمة الواقف
ولم يجز مالك انتفاع الواقف بوقفه، لأنه إزالة الملك ولم يجز اشتراط نفعه لنفسه، كالبيع والهبة واجاز مالك شرط الواقف أن يأكل من الوقف أهله، فيصح الوقف والشرط، لان النبي صلى الله عليه وسلم شرط ذلك في صدقته
وأن اشهاد الحاجر بأنه حبس على محجوره شرط لا بد منه ويعتبر هذا الاشهاد حوزا منه لمحجوره ولا يحتاج الى التنصيص على الحوز ولا يتم هذا الحوز الحكمي الا بشرطين:
احداهما: أن يصرف المحبس غلة الحبس في مختلف مصالح محجوره أو يودعها له حتى يتشرد، فإن ثبت أنه كان يتصرف فيه لنفسه ويصرف غلته في مصالح نفسه لا في مصالح محجوره الى أن مات أو فلس فيبطل الحبس ويصير ميراثا أو يتحاصص فيه دائنوه، لأن استبداد المحبس بغلة ما حبسه على محجوره يعتبر رجوعا منه في الحبس
والشرط الثاني: أن يعطي لمحجوره الثمر المؤبر الموجود في الجنان الذي حبسه على محجوره او الزرع المؤبر الثابت في الأرض التي حبسها على محجوره لانه إذا لم يعطيهما له مع أصلهما ومات المحبس او فلس قبل حصاد الزرع او قبل جني الثمار فيبطل الحبس ويصير ميراثا
ونصت المدونة على أنه يمكن أن يكون الموقوف عليه معينا بالشخص، أو بالنوع، أو غير معين أو قابل للتعيين، وأن للواقف تعيينه طيلة حياته وإلا صار الوقف إلى الأوقاف العامة، عملا بقصد التبرع العام لدى الواقف. كما نصت على انه يمكن أن يكون موجودا وقت التحبيس أو منتظر الأولاد دون البعض، وجعلت الاستفادة لهم جميعا
ورأي المالكية أنه يصح الوقف على أهل التملك ، سواء كان موجودا أم سيوجد كالجنين الذي سيولد فيصح الوقف لديهم على الموجود والمعدوم والمسلم والذمي والقريب والبعيد ، الا أن الوقف على من سيولد غير لازم بمجرد عقده ، بل يوقف لزومه وتوقف غلته إلى أن يوجد ، فيعطاها ، مالم يحصل مانع من الوجود كموت ويأس من وجوده ، فترجع الغلة للمالك أو ورثته إذا مات ، وعلى هذا فللواقف بيع الوقف قبل ولادة الموقوف عليه ، ومدونة الأوقاف وافقت المذهب المالكي فيما يتعلق ان الموقوف عليه كان موجودا أم سيوجد كما أن المدونة اخذت برأي المالكية في ابطال الوقف على نفس الواقف ولو مع شريك غير وارث كوقفه على نفسه مع فلان ، فإنه يبطل فيما يخصه ، وكذا فيما يخص الشريك مالم يكن هذا الأخير قد حازه قبل المانع ، اما اذا وقف الواقف على نفسه ثم على أولاده وعقبه رجع حبسا بعد موته على عقبه ان حازوا قبل المانع وإلا بطل ،
ومن شروط الجهة الموقوف عليه غير المعين: أن يكون معلوما وان يكون جهة خير وبر، ويصح عند المالكية الوقف على الأغنياء، ولا يصح الوقف في مذهب المالكية على كنيسة أو صرف الغلة في ثمن خمر أما عمارة كنائس لا للتعبد وانما لنزول المارة فيصح الوقف عليها.
وقال ابن رشد: إذا وقف الذمي على كنيسة، فإن كان على ترميمها او على الجرحى أو المرضى التي فيها، فالوقف صحيح معمول به. فإن ترافعوا الينا لنحكم في اوقافهم، حكم الحاكم بينهم بحكم الإسلام من صحة الوقف وعدم بيعه، وإن كان الوقف على عباد الكنائس، حكم ببطلانه، والمعتمد لدى المالكية قول آخر لابن رشد: وهو بطلان وقف الذمي على الكنيسة مطلقا.
وينتهي حق الموقوف عليه في استحقاق المال الموقوف في الحالات الآتية :
– إذا توفي ؛
– إذا غاب غيبة انقطاع، وكان الانتفاع بالوقف مقصورا على شخصه ؛
– إذا زالت عنه الصفة التي استحق بها الوقف ؛
– إذا عبر صراحة عن تنازله عن حقه في الانتفاع بالمال الموقوف.
إذا سقط حق الموقوف عليه في إحدى الحالات السابقة، انتقل الاستحقاق إلى من يليه إن وجد، وإلا عاد الوقف إلى الأوقاف العامة.
ثالثا: الصيغة:
اما الصيغة فهي لفظ الحبس والوقف، والصدقة، وكل ما يقتضي ذلك من قول، ومن فعل، ولا يشترط قبول المحبس عليه الا إذا كان معينا مالكا امر نفسه لأن الأصل في عقد الوقف الاقتصار على الإيجاب باعتبار عقد الوقف من عقود التبرع التي تنعقد بالإرادة المنفردة. فلا يشترط القبول إلا إذا كان الوقف معين لأجل،
والإيجاب في الوقف حسب مقتضيات المدونة يمكن التعبير عنه إما كتابة، أو بالإشارة المفهومة ،أو الفعل الدال على الوقف. كما يمكن أن يكون صريحا أو ضمنيا. بما يقترن به من شروط أو قرائن تدل على الوقف، كما يمكن أن يأتي بصيغة ناجزة أو معلقة على شرط.
وألفاظ الواقف تجري على عرف أهل بلده، ولا يقال انما يعمل بالعرف فيما ليس فيه نص بخلافه، فمن حبس كتابا وشرط الانتفاع بها في خزانة معينة جاز للقيم عليها دفع بعضها لمن كان مأمونًا عليه ليذهب به الى داره بقصد الانتفاع به مطالعة ونسخا مدة معينة، لأن قصد المحبس من الشرط المذكور هو عدم الضياع فقط وبه أفتى الشيخ عبد القادر الفاسي ونظمه ولده ابوزيد في عملياته حيث قاله:
وروعي المقصود في الأحباس لا اللفظ في عمل أهل فاس
ومنه كتب حبست تقرأ في خزانة فأخرجت من موقف
ولقد جاء في نظم ميارة في تكميل المنهج المنتخب قوله:
قلت كذلك الحبس قالوا ان شرط لا تخرج الكتب فخلف قد فرط
يجري بها، كذلك ألا يدفعها الا كتاب بعد آخر اسمعا
للقصد جاز فعل مالو حضرا موافقة رآه أيضا نظرا
وهذه قاعدة اللفظ إذا عارضه القصد فقبل ذا وذا
والقبول كذلك عندما يكون الوقف على معين يصح منه إذا كان كامل الأهلية بنفسه أو بواسطة وكيله. وإذا رفض عاد الوقف للأوقاف العامة، ويصح قبول ناقص الأهلية بنفسه أو بواسطة وليه. ويقبل عن فاقد الأهلية وليه أو من يعينه القاضي لذلك، ويصح القبول بالقول، أو الكتابة، أو الإشارة المفهومة أو بالفعل الدال عليه، وقد يكون القبول صريحا أو ضمنيا، كما يمكن أن يكون مقترنا بالإيجاب أو متأخرا عنه، إلا أنه في هذه الحالة يتعين أن يتم خلال أجل معقول، فإذا ثم تسري آثاره من تاريخ الإيجاب.
وفي الفقه المالكي ينعقد الوقف إما بلفظ صريح، مثل: وقفت أو حبست، أو بلفظ غير صريح مثل تصدقت ان اقترن بقيد، أو كان على جهة لا تنقطع؛ أو كان على مجهول محصور، وقد يكفي الفعل لانعقاد الوقف كالإذن للناس بالصلاة في الموضع الذي بناه مسجدا.
وينوب عن الصيغة: التخلية بين الموقوف والموقوف عليه، كجعله مسجدا أو مدرسة أوبئرا أو مكتبة، وان لم يتلفظ بالوقف، وتعتبر التخلية حوزا حكميا.
مبطلات الوقف عند المالكية:
ذكر المالكية مبطلات الوقف ويمكن تلخيصها في الأمور التالية:
أ- حدوث مانع مثل ان مات الواقف أو أفلس، أو مرض مرضا متصلا بموته قبل القبض بطل الوقع ورجع للوارث في حال الموت واللدائن في الإفلاس، فإن أجازه نفذ، وإلا بطل.
ب- سكن الواقف الدار قبل تمام عام بعد أن حيز عنه، أو أخذ غلة الأرض لنفسه، بطل التحبيس.
ت- الوقف على معصية ككنيسة وكصرف غلة الموقوف على خمر أو شراء سلاح لقتال حرام، باطل
ث- الوقف على حربي باطل، ويصح على ذمي. وهذا متفق عليه.
ج- الوقف على نفسه ولو مع شريك غير وارث، مثل وقفته على نفسي مع فلان، فإنه يبطل ما يخصه وكذا ما يخص الشريك
ح- الوقف على أن النظر للواقف، يبطل لما فيه من التحجير
خ- الجهل بسبق الوقف عن الدين ان كان الوقف على محجوره، فمن وقف على محجوره وقفا وحازه له، وعلى الواقف دين، ولم يعلم هل الدين قبل الوقف أو بعده، فإن الوقف يبطل، ويباع لتسديد الدين، تقديما للواجب على التبرع. عند الجهل بالسبق، مع ضعف الحوز.
د- عدم التخلية (أي عدم ترك الواقف) بين الناس وبين الموقوف عليه الذي هو مثل المسجد والمدرسة قبل حصول المانع، فإنه يبطل الوقف، ويكون ميراثا.
ذ- وقف الكافر لنحو مسجد ومدرسة وغيرها من القرب الإسلامية
ويكره على الراجح في المذهب تنزيه الوقف على البنين دون البنات لأنه يشبه عمل الجاهلية من حرمان البنات من إرث أبيهن
وهذه الأمور قد أخذت بمعظمها مدونة الأوقاف وجعلتها سببا من أسباب بطلان الوقف،
الفصل الثاني: شروط الوقف ووسائل إثباته وأثاره:
المبحث الأول: شروط الوقف
لقد تناول المشرع شروط صحة الوقف في المادة 24 من المدونة واشترط لصحة الوقف شرطان وهما : الاشهاد على الوقف و حوز المال الموقوف قبل حصول المانع مع مراعاة أحكام المادة 10 ،ويقصد بالمانع في مفهوم مدونة الأوقاف موت الواقف أو افلاسه ، فالحوز كما في الهبة فان مات الواقف او مرض أو أفلس قبل الحوز بطل التحبيس ولقد نصت المادة 10 من المدونة أنه اذا استغرق الدين جميع مال الواقف وقت التحبيس أو قبل حوز المال الموقوف ، بطل الوقف مالم يجزه الدائنون ، وكذلك ان سكن دارا قبل تمام عام أو أخذ غلة الأرض لنفسه بطل التحبيس ولا بد من معاينة البينة للحوز اذا كان المحبس عليه في غير ولاية المحبس او كان في ولايته والحبس في دار سكناه، او قد جعل فيها متاعه فلا يصح الا بالإخلاء و المعاينة واذا عقد المحبس عليه في الملك المحبس كراء او نزل فيهما لعمارة فذلك حوز ،
والحاصل يشترط في صحة الحبس على معين رشيد قبول المحبس عليه له اما حقيقة ويكون بالتصريح به واما حكما كما لوحازه المحبس عليه وصار يستعمله أو يستغله ويتصرف فيه لأن هذا أقوى من التصريح بالقبول في الدلالة على الرضى بالحبس، فإذا سقط لفظ القبول من وثيقة الحبس لم يضر بها حيث وجد الحوز المذكور
ويشترط في صحة الحبس أيضا أن يحوزه المحبس عليه كما قال في التحفة:
والحوز شرط صحة التحبيس. قبل حدوث موت أو تفليس
ولقد نصت المادة 27 من المدونة الحالات التي يستثنى فيها شرط الحوز وهي:
– إذا تعذر الحوز لأسباب لا يد للموقوف عليه فيها؛
– إذا صرح الواقف بإخراج المال الموقوف من ماله عاش أو مات؛
– إذا كان الواقف في حالة مرض الموت، مع مراعاة أحكام المادة 6 أعلاه؛
– إذا كان الوقف معلقا على عمل ينجزه الموقوف عليه.
المبحث الثاني وسائل إثبات الوقف:
لقد نصت المادة 48 من المدونة على أنه ” يمكن إثبات الوقف بجميع وسائل الإثبات. وتعتبر الحوالات الحبسية حجة على أن الأملاك المضمنة بها موقوفة إلى أن يثبت العكس.
لا ينتج الإقرار على الوقف أي أثر في مواجهته “
فالمدونة الأوقاف حسمت الجدل حول اثبات الوقف حينما نصت يمكن اتبات الوقف بجميع وسائل الإثبات، وتبنى المشرع المغربي موقف حرية الاثبات في الوقف والميل إلى التساهل في طرق اثباته وغايته في ذلك تحقيق المصلحة الفضلى للوقف
المبحث الثالث: آثار الوقف
لقد تناولت المدونة أثار الوقف في المادة 34 وما بعدها ونصت المادة34 على أنه يجب التقيد بشروط الواقف والوفاء بها إذا كانت مشروعة وقابلة للتنفيذ. فإذا اقترن الوقف بشرط غير مشروع أواستحال تنفيذه، صح الوقف وبطل الشرط مع مراعاة أحكام الفقرة الأولى من المادة 14 أعلاه.
المقصود بشروط الواقف هوما يمليه ويشترطه الواقف في رسم وقفه ، بمحض ارادته ليعبر عن رغباته وما يقصذه بالنسبة لإنشاء الوقف والنظام الذي يتبع فيه.
والشروط التي يشترطها الواقف عند انشائه للوقف تجري مجرى الشروط في العقود وشروط الواقف عند انشاء الوقف هي على ثلاثة آقسام :
النوع الأول : اشتراطات معتبرة ومقبولة ويلزم تنفيذها واتباعها وهي الشروط التي لا تخالف الشرع ولا تنافي مقتضى عقد الوقف
النوع الثاني : اشتراطات باطلة ومبطلة للوقف وهي ما نافى لزوم الوقف وأخل بآصل الوقف ، أوتنافى مع حكمه
النوع الثالث : اشتراطات باطلة وغيز مبطلة للوقف وهي اشتراطات لا يعتد بها ، ويكون الوقف معها صحيحا
والأصل أن الشروط الصحيحة للواقف تكون ملزمة.
كما أنه وجب التقيد بألفاظ عقد الوقف الصريحة ، أما إذا كانت غامضة فيتعين البحت عن قصد الواقف مع الاستعانة في ذلك بالعرف وظروف الحال
كما أن الوقف إن صح لزم وهذا هو موقف المالكية واستدلوا في ذلك حديت ابن عمر رضي الله عنهما في وقف عمر الذي جاء فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : تصدق بثمره وأحبس أصله ، لا يباع ، لا يورث وفي رواية : تصدق بأصله ، لا يباع ، لا يوهب ، ولا يورث ، ولكن ينفق ثمره فتصدق به عمر
والوقف إذا نشأ صحيحا لزم وإن لم يحز، وهذا هو موقف القانون المغربي إذ ينتج الوقف آثاره بين الطرفين بمجرد انعقاده والإشهاد عليه ، ولا يمكن للواقف الرجوع فيه ، و لا يمكن له تغيير مصرفه أو شروطه بعد انعقاده، ، إلا إذا تعلق الوقف بموقوف عليه سيوجد مستقبلا، وفوته الواقف قبل وجوده؛ أو إذا اشترط الواقف في عقد الوقف الرجوع عنه عند افتقار
ومن أثار الوقف أن الواقف لا يضمن استحقاق المال الموقوف من يد الموقوف عليه ، ولا ضمان العيوب الخفية .
ويحق للموقوف عليه ان يستعمل المال الموقوف و ان يستغله وفق شرط الواقف وبكيفية تتوافق مع الأغراض المتوخاة من الوقف كما يجوز له ان ينتفع بالمال الموقوف بنفسه او ان يفوت حق الانتفاع به الى الغير مالم يكن حق الوقف مقصور على شخصه كما له ان يتمتع بجميع الزيادات التي تلحق بالعقار عن طريق الالتصاق كما انه يجوز للموقوف عليه ان يرتب حقوق عينية على العقار تزيد من قيمته على ان تعتبر هذه الحقوق بدورها وقفا وليس للموقوف عليه ان يحدث بناءات او منشاءات او اغراس على المال الموقوف دون اذن مسبق من إدارة الأوقاف والموقوف عليه مسؤول عن الضرر الذي يلحق بالمال الموقوف نتيجة الإهمال او التقصير فهو يعد حارسا عن المال الوقوف ويسأل عن الاخلال بالحراسة
المبحث الرابع : الشخصية الحكمية للوقف في القانون المغربي
لقد اعترفت مدونة الأوقاف المغربية بوجود الشخصية الحكمية للوقف ، ولقد نصت المادة 50 على أنه ” الوقف العام هو كل وقف خصصت منفعته ابتداء أو مالا لوجوه البر والإحسان وتحقيق منفعة عامة.
تعتبر وقفا عاما بقوة القانون على عامة المسلمين جميع المساجد والزوايا والأضرحة والمقابر الإسلامية، ومضافاتها والأملاك الموقوفة عليها.
يتمتع الوقف العام بالشخصية الاعتبارية منذ إنشائه، وتتولى إدارة الأوقاف تدبير شؤونه وفقا لأحكام هذه المدونة، وتعتبر ممثله القانوني.
كماأنه نصت المادة 157يحدث بجانب جلالتنا الشريفة مجلس لتتبع شؤون التدبير المالي للأوقاف العامة، يسمى “المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة”، ويشار إليه فيما بعد باسم المجلس.
وهذه الشخصية الاعتبارية هي التي ترمي الى تحقيق الغرض من الوقف فأعطاها القانون هذه الشخصية القانونية لتكون شخصا مستقلا ومتميزا عن الأشخاص الذين يساهمون في نشاطها
اذن هناك علاقة قانونية بين الشخصية الاعتبارية للوقف والواقف في الوقف الخيري فهي علاقة بين العبدوخالقه وسببها الوقف بحيث يستمر ثواب العمل الذي قام به الواقف دون انقطاع كما ان هذه العلاقة تتجلى بين الواقف ووقفه في الوقف المشترك في الرابطة التي تنشأ بين الواقف ووقفه في حال حياته ، وبعد وفاته كما ان العلاقة القانونية للشخصية الاعتبارية للوقف والشخصيات الاعتبارية الأخرى فالوقف كمؤسسة تخضع لامارة المؤمنين فهذه المؤسسة هي التي تسهر عليه وتضع القواعدوالانظمة والشروط لادارة شؤونه وما يستدعيه ذلك من تطوير فقه الوقف وتزامنه في الوقت المعاصر بما يتوافق مع الشريعة السمحة فإسهام مشروعات الوقف بتمويل الجمعيات الخيرية ووقوفها الى جانب المحتاجين في الظروف الصعبة
ولعل أهم تجليات الشخصية الاعتبارية للوقف تظهر في كون ان الأوقاف لها ذمة مالية مستقلة وتمتع هيئة الأوقاف بأهلية التعاقد وحق التقاضي والإرادة الاعتبارية اذ تعنى وزارة الأوقاف بالاراضي و العقارات والأموال المنقولة والغير المنقولة على جهة بر لا تنقطع كما تنشأ الوزارة برامج لجهة البر الموقوف عليها لتتفق وارادات الأوقاف على الجهات المستفيدة من هذا البرنامج فوزارة الأوقاف تعبر عن الإرادة الشخصية الحكمية بمختلف انواعه.
الفصل الثالث: أنواع الوقف انقضاءه
المبحث الأول: أنواع الوقف:
تنقسم الأحباس إلى ثلاثة أقسام: أحباس عامة أو ما يعرف بالوقف الخيري وأحباس خاصة وهو ما يعرف بالوقف الذري أو الأهلي في المشرق وبطلق عليه الحبس المعقب في الفقه والتشريع المغربيين إلى جانب الأحباس المشتركة.
أولا: الوقف العام.
وهو المسمى عند بعض الفقهاء بالوقف الخيري وهو الذي يكون على جهة من جهات البر والإحسان، أي جهة عامة، وهو الأصل الغالب فهو كل وقف خصصت منفعته. ابتداء أو مآلا لوجوه البر والإحسان وتحقيق المنفعة العامة، وقد عرفه المشرع في المادة 50 من مدونة الأوقاف “الوقف العام كل وقف خصصت منفعته ابتداء أو مآلا لوجوده البر والإحسان وتحقيق المنفعة العامة”.
ثانيا: الوقف المعقب.
وهو المسمى عند بعض الفقهاء بالوقف الذري أو الأهلي وهو ما وقف على ولد، أو عقب أو نسل أو ذرية المحبس، والمدونة حصرت الوقف المعقب في حدود 3 طبقات، الموقوف عليه، ثم أولاده ثم أولاد أولاده بالنسبة للطبقة الأولى، وأولاد الذكور بالنسبة الثانية ووالثالثة (المادة 110 من مدونة الأوقاف) وذلك تحت طائلة البطلان فإذا انقرض الموقوف عليهم فإن الموقوف يرجع إلى ورثة الواقف إن وجدوا وإلا رجع على الأوقاف العامة، واستثنت المدونة الأوقاف المعقبة المنشأة قبل دخولها حيز التطبيق.
وقد عرفته المادة 108 بأنه “يعتبر وقفا معقبا ما وقف على ولد، أو عقب، أو نسل، أو ذرية المحبس ،أو غيره”.
ثالثا: الوقف المشترك
وهو ما وقف ابتداء على جهة عامة وعلى شخص بذاته أو عليه وعلى عقبة فهو وقف على الطبقات وفق عبارة الواقف كقوله. وقفت على أولادي وأولاد أولادي، ثم على الفقراء، فالعطف بالواو يقتضي التشريك والجمع بخلاف العطف ب “ثم” الذي يفيد الترتيب فلا يستحق أهل الطبقة الثانية إلا بعد انقراض أهل الطبقة الأولى وهكذا مع مراعاة أحكام المادة 109 من مدونة الأوقاف التي رسخت مبدأ سلطة الدولة في تنظيم الوقف المعقب بجعله مؤقتا ومحددا. وبهذا يكون المشرع المغربي خالف بعض التشريعات العربية التي ألغت الوقف المعقب نهائيا، كمصر وسوريا وتركيا في حين نجد المشرع حددها في طبقتين.
حماية الوقف بعد تأسيس الرسم العقاري.
إذا كان الحبس ملكا ممنوعا من التمليك والإرث والهبة طالما أنه خصص للغرض الذي حبس من أجله. فهو بذلك يكسب الحقوق ويتحمل بالالتزامات حيث تكون له شخصية معنوية مستقلة ولعل ذلك ما جعل المشرع يخول لوزارة الأوقاف ممثلة في نظارة الأحباس الصفة في المحافظة على الحبس وإن كان معقبا والتعرض على تحفيظه كملك خاص، غير أنه رغم هذا الإشراف والمراقبة فإنه كثيرا ما يتم الترامي على العقارات المحسبة من طرف الغير الذي قد يتأتى له تحفيظ العقار في اسمه الآمر الذي يثير إشكالية مدي خضوع الوقف لمبدأ التطهير الناتج عن تحفيظ العقار.
لذلك سنحاول بيان مدى خضوع الوقف لمبدأ التطهير الناتج عن تحفيظ العقار.
لقد نصت المادة 54 من مدونة الأوقاف على ما يلي “أن الرسوم العقارية المؤسسة لفائدة الغير لا تمنع المحكمة من النظر في كل دعوى ترمى إلى إثبات صفة الوقف العام لعقار محفظ، شريطة ان ترفع الدعوى في مواجهة جميع ذوي الحقوق المقيدين وإذا أثبت أن العقار المذكور موقوف وقفا عاما، بناءا على الحكم القضائي الصادر بذلك والحائز لقوة الشيء المقضي به، فإن المحافظ يشطب على كل تسجيل سابق ويقيد العقار بالرسم العقاري المتعلق به في اسم الأوقاف العامة.
إن هذا النص يستدعي إبداء ملاحظتين:
1- يلاحظ أن المشرع قد ميز بين الوقف المعقب والوقف العام حينما استثنى هذا الأخير من قاعدة التطهير، ونعتقد أن هذا التمييز ليس له مايبرره وكان الأولى أن يشمل المشرع بعطفه أيضا الوقف المعقب لاشتراكهما في العلة كما أن الحبس المعقب ينقلب إلى وقف عام إذا انقطع نسل المعقب عليه الأمر الذي بمقتضى استثناءه من قاعدة التطهير والحجية المطلقة.
2- إن الاستفادة من مقتضيات هذا النص تقتضي تقديم مقال افتتاحي للدعوى أمام المحكمة المختصة في مواجهة جميع ذوي الحقوق المقيدين تطبيقا لقاعدة نسبية الأحكام وانتظار صدور حكم في الموضوع حائز لقوة الشيء المقضي به، وهي مرتبة يصل إليها إذا أصبح غير قابل لا للتعرض ولا للاستئناف وان ظل قابل لطرق الطعن غير العادية
خصائص الفصل في المنازعة القضائية المتعلقة بالوقف
باستقراء مواد مدونة الأوقاف وتتبع الاجتهادات القضائية الصادرة عن محكمة النقض والتي لها صلة بالموضوع يمكن تلخيص خصائص الفصل في المنازعة القضائية المتعلقة بالوقف في ما يلي:
ـ استثناء الأوقاف من قاعدة التطهير، وهو المبدأ الذي كرسته مدونة الأوقاف في المادة 54 إدجاء فيها ” إن الرسوم العقارية المؤسسة لفائدة الغير لا تمنع المحكمة من النظر في كل دعوى ترمي إلى إثبات صفة الوقف العام لعقار محفظ، شريطة أن ترفع الدعوى في مواجهة جميع ذوي الحقوق المقيدين.
وإذا ثبت أن العقار المذكور موقوف وقفا عاما، بناء على الحكم القضائي الصادر بذلك والحائز لقوة الشيء المقضي به، فإن المحافظ يشطب على كل تسجيل سابق، ويقيد العقار بالرسم العقاري المتعلق به في اسم الأوقاف العامة.”
ـ التيسير في إثبات الحبس، من خلال اعتبار شهادة السماع المتضمنة لجميع شروط الوثيقة العدلية حجة في إثبات الملك الحبسي.
ـ اعتبار الحوالة الحبسية وسيلة من وسائل إثبات الصبغة الوقفية للعقارات المحبسة، وهو المبدأ الذي كرسته مدونة الأوقاف في المادة 54
ـ اعتبار رسم الإحصاء المؤيد بالحيازة الطويلة الأمد حجة في إثبات الحبس.
ـ استمرار تكريس التوجه القاضي ببطلان المغارسة على أساس الثلث في الأراضي الحبسية، وهو المبدأ الذي كرسته مدونة الأوقاف في المادة 102 إذ نصت ” لا يجوز إعطاء أرض الوقف بالمغارسة.”
ـ إلزامية إحالة الملف على النيابة العامة في القضايا المتعلقة بالأحباس.
ـ إعمال مقتضيات الفصل 34 و43 من قانون التحفيظ العقاري من أجل تطبيق الرسوم والحجج على محل النزاع في إطار التدابير التكميلية للتحقيق، وجعل ذلك من صميم عمل المحكمة، مع الاستعانة بمهندس طبوغرافي عند الاقتضاء.
ـ عدم جواز الإقرار على الحبس من قبل الناظر.
ـ تطبيق قواعد الفقه الإسلامي في ملفات التحديدات الإدارية، عوض الظهير الشريف الصادر في 1924/4/18 المتعلق بجانب تدبير الأراضي المشتركة بين القبائل
المبحث الثاني: التصرفات الجارية على الأموال الموقوفة وقفا عاما: المعاوضات والأكرية
لقد نظم المشرع المغربي معاوضات وأكرية الأموال الموقوفة وحدد الإجراءات والوثائق القانونية الضرورية لإجرائها،
الفقرة الأولى: الإجراءات والوثائق القانونية لإجراء المعاوضات
يوجد نوعان من المعاوضات، معاوضات بالبيع ويطلق عليها المشرع المغربي معاوضات نقدية، تمييزا لها عن المعاوضات العينية، أي عقار بعقار آخر وهي التي يسميها المشرع المغربي المناقلات.. أما مدونة الأوقاف فقد خصصتها في العقارات بوجه عام والمنقولات ويتم تحديد القيمة التقديرية للعقار المراد معاوضته من قبل لجنة تتكون من ثلاثة خبراء يعينون بمقرر مشترك للسلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف ورئيس المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة.
وسوف نتطرق الى الشروط الواجب توافرها لاجراء المعاوضات والإجراءات والوثائق الضرورية لاجرائها
أولًا: الشروط الأساسية لإجراء المعاوضات
يشترط لإجراء المعاوضات بوجه عام الشروط الأساسية التالية:
– أن يتعلق الأمر بالأراضي الخالية من البناء، وكذلك الأراضي المبنية والبناءات الفوقية الخالصة للأحباس.
– أن تقع المعاوضة شريطة شراء مقابل لها بالنقود المتحصلة من المعاوضة.
– أن تقع المعاوضة من طرف الإدارة أو من طرف الغير.
– أن تراعى مصلحة الوقف.
– أن تراعى إجراءات السمسرة.
– أن يقع قبول المحل على حالته من المشتري.
ثانيا: الإجراءات والوثائق لإجراء المعاوضات
لأجل إجراء المعاوضات لابد من سلوك إجراءات إدارية معينة تحت إشراف نظارة الأوقاف وإعداد مجموعة من الوثائق الضرورية أثناء إجرائها.
أ: الإجراءات الإدارية:
يتخلل هذه المرحلة مسطرتان: مسطرة الاتفاق المبدئي (أولا) ثم الاتفاق النهائي (ثانيا).
أولا: مسطرة الاتفاق المبدئي:
يعتمد هذا الاتفاق المبدئي بالدرجة الأولى على أطراف الاتفاق، نتيجة السمسرة، المصادقة عليها، وصدور الأمر الشريف بعقد المعاوضة.
1- أطراف الاتفاق:
وهو عبارة عن اتفاق يوقع بين ناظر الأوقاف نيابة عن وزير الأوقافة والشؤون الإسلامية والمعاوض له مع تحديد اسمه الكامل ومحل سكناه وصفته.
2- نتيجة السمسرة:
إن هذا الاتفاق لا يتم إلا بناء على نتيجة السمسرة التي أجريت بمقر النظارة، على أن يتم في صلب هذا الاتفاق تحديد نوعية الأرض المعاوضة، ومساحتها ورقم رسمها العقاري إن كانت محفظة، أو رقم مطلب التحفيظ إن كانت في طور التحفيظ. م
3- المصادقة على نتيجة السمسرة:
يتم الإشارة كذلك في صلب هذا الاتفاق إلى مصادقة إدارة الأوقاف على نتيجة السمسرة، ويقوم هذا الاتفاق على تسلم ناظر الأوقاف من المعاوض له الذي رست عليه السمسرة، مجموع مبلغ المعاوضة ويتم تحديد قدره بالحروف والأرقام، مع تحديد شكل الدفع سواء بالنقود أو عن طريق حوالة بريدية أو بنكية مقابل وصل، مع تحميل المعاوض له جميع المصاريف المتعلقة بهذه المعاوضة.
4- صدور الأمر الشريف بعقد المعاوضة:
ويصبح هذا الاتفاق نهائيا بعد صدور أمر شريف بعقد هذه المعاوضة على أن يوقع هذا الاتفاق المبدئي من طرف ناظر الأوقاف والمعاوض له، ويتم تحرير هذا الاتفاق في ثلاث نظائر مع تحديد تاريخ ابرام هذا الاتفاق.
ثانيا: الاتفاق النهائي بعقد المعاوضة
يتضمن الاتفاق النهائي الشكليات التالية: صدور الأمر الشريف، مراجع الأمر الشريف، والظهائر المعتمدة.
1- صدور الأمر الشريف:
صبح الاتفاق المبدئي حول المعاوضة نهائيا وذلك بعد صدور الأمر الشريف بالموافقة على المعاوضات ابتداء من تاريخ إجرائها بمختلف نظارات المملكة في الأملاك الحبسية إلى أخر معاوضة وفق قوائم رفقته مؤشر عليها من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية؛
2- مراجع الأمر الشريف:
يبتدئ الأمر الشريف بالحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وبتحديد رقمه تحت عدد، وينتهي بالإشارة إلى مكان وتاريخ تحريره ؛
3- الظهائر المعتمدة:
يصدر بناء على الظهير الشريف رقم 1.03.193 الصادر في 9 شوال 1424( 4 ديسمبر 2003) في شأن اختصاصات وتنظيم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعلى الظهير الشريف الصادر في 16 من شعبان 1331( 21 يوليو 1913) المتعلق بنظام تحسين حالة الأحباس العمومية كما تم تغييره وتتميمه ولا سيما الباب الثالث منه الخاص بكيفية إجراء المعاوضات. وعلى الظهير الشريف الصادر في متم ربيع الأول 1336( 3 يناير 1918) المتعلق بضبط ومراقبة الأحباس المعقبة.
ب : الوثائق القانونية لإجراء المعاوضة
أولا: معاوضة الأراضي الفلاحية والخرب:
يتعين الإدلاء بالوثائق التالية:
– نسخة من طلب المعني بالأمر يبين فيه الثمن الذي يبذله.
– يكون الطلب مرفقا ببطاقة معلومات: وتحدد فيها اسم نظارة الأوقاف و نيابتها ثم اسم القطعة و رقمها بالحوالة الحبسية ورقمها بالكناش الفلاحي مع تحديد مساحتها ورسمها العقاري، مع تحديد المساحة المطلوب معاوضتها و شكلها منبسط أو منحدر وسطحيتها محجرة أم غير محجرة و تربتها بورية أو سقوية مع تحديد محتويات القطعة من بنايات، مع تحديد نوعها و مشتملاتها و أشجار مع تحديد نوعها و عددها، و تحديد نوع استغلالها هل في اطار الفلاحة أم التجارة أم غير مستغلة- تملأ بكاملها.
– تصميم يبين موقع العقار الحبسي على نفقة طالب المعاوضة.
– رأي النظارة الصريح بعد المعاينة الميدانية.
ثانيا: معاوضة الأملاك المشتركة:
فيتعين الإدلاء بالوثائق التالية:
– نسخة من الطلب يبين فيه المعني بالأمر علاقته بالملك.
– جميع الوثائق التي تثبت نسبة تملك الأوقاف والشريك في الملك.
– طبع الرسوم العدلية على الآلة الكاتبة وعلى نفقة طالب المعاوضة.
– خبرة عقارية على نفقة طالب المعاوضة.
– بطاقة معلومات- النموذج رقم 2- تملأ بكاملها.
– رأي النظارة الصريح بعد المعاينة.
ثالثا: معاوضة الأشجار:
فيتعين الإدلاء بالوثائق التالية:
– نسخة من الطلب يشار فيه إلى أسباب طلب المعاوضة
– تقرير النظارة، مرفق بصور فوتوغرافية، يوضح حقيقة ما ورد في الطلب.
– بطاقة معلومات- تحدد فيها نظارة الأوقاف والنيابة مع تحديد نوع الأشجار وموقع الأرض المتواجدة عليه والحالة التي هي عليها مع تحديد مداخيلها خلال السنة – تملأ بكاملها.
– رأي النظارة الصريح بعد إجراء المعاينة.
بعد تقديم هذه الوثائق إلى الوزارة، يتم إجراء السمسرة وفق الشروط المنصوص عليها في الظهير الشريف المتعلق بتحسين حالة الأحباس العمومية المشار إليه سابقا.
الفقرة الثانية: الإجراءات والوثائق القانونية لكراء العقارات الموقوفة
عرف المشرع المغربي الكراء في الفصل 627 من قانون الالتزامات والعقود بأنه عقد بمقتضاه يمنح أحد طرفيه للآخر منفعة منقول أو عقار خلال مدة معينة في مقابل أجر محدد يلتزم الطرف الآخر بدفعه له
أولا: الحماية عن طريق تحديد أجل للكراء
يعتبر عقد الكراء من العقود الزمنية، واعتبار عقد الكراء عقدا زمنيا مسألة جد بديهية ما دام الانتفاع بالشيء المكترى والأجرة مقابلة له لا تقاس عادة إلا بمقدار زمن يتفق الأطراف عليه صراحة أو ضمنا ، من تحديد مدة الكراء الطويل الأمد ( الفقرة الأولى) ومدة الكراء القصير الأمد ( الفقرة الثانية) هو الزيادة في السومة الكرائية لأجل تنمية الوقف والحفاظ عليه.
أ: الكراء الطويل الأمد
نص المشرع المغربي على هذا النوع من الكراء في ديباجة الباب الثاني من ظهير 16 شعبان 1331 المتعلق بنظام تحسين حالة الأحباس في الشرط 21 منه .
والملاحظ أن المشرع الحبسي جعل الكراء لأجل بعيد مقتصرا على حالة خراب العقار أو تهدمه أو عندما تكون الأراضي موجودة خارج المدار الحضري سواء كانت مخصصة الفلاحة أم لا.
وقد حدد المشرع المغربي مدة كراء الأملاك الوقفية غير الفلاحية لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، قابلة للتجديد بطلب من المكتري قبل انتهائها بثلاثة أشهر …، أما الأملاك الوقفية الفلاحية فتكرى لمدة لا تزيد عن ست سنوات ، قابلة للتجديد مرتين… ، إلا أن فكرة الزيادة في السومة الكرائية تصطدم مع بعض مواقف الشريعة الإسلامية التي تعتبر اشتراط زيادة المكتري في العقار نوعا من الغرر و هذا باطل شرعا ، ذلك أن هذا الشرط يجعل المكتري للعقار المحبس يعمل دائما من أجل الزيادة في العقار حتى يضمن بقاء العقار في يده بعد انتهاء الفترة الأولى، لذلك يمكن اعتبار أن تجديد عقد الكراء لمدة أخرى معلق على شرط واقف فبدون تحققه لا يستطيع المكتري ضمان بقاء العقار في ذمته، كما أن المشرع الحبسي لم يجعل الكراء لأمد بعيد في مرتبة الكراء الطويل الأمد الذي يعتبر من الحقوق العينية طبقا للفصل 8 من التشريع المطبق على العقارات المحفظة.
ب: الكراء القصير الأمد
إن غاية المشرع من تحديد مدة معينة لكراء العقارات الموقوفة هو الزيادة في قيمتها المالية، وتنمية مداخيل الأحباس لمواجهة النفقات المتزايدة، فكيف استطاع المشرع تحقيق ذلك؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة عنه كالتالي:
أولا: الكراء المتوسط الأمد:
نص المشرع الحبسي على الكراء المتوسط الأمد في ديباجة ظهير 22 ماي 1917 وذلك من خلال شرطه الثالث عشر، إذ سمح بكراء الأملاك الحبسية لمدة ثلاث أو ست أو تسع سنوات، شريطة التزام المكتري بالبناء أو الغرس.
وهذا ما أكدته المادة 94 من مدونة الأوقاف بالقول إن الأملاك الوقفية غير الفلاحية تكرى لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، غير أنه يمكن تجديد هذه المدة بطلب من المكتري قبل انتهائها بثلاثة أشهر شريطة موافقة إدارة الأوقاف والزيادة في السومة الكرائية بنسبة لا تقل عن 10 في المائة من هذه السومة عند كل تجديد.
والملاحظ أن مشرع مدونة الأوقاف باشتراطه موافقة الإدارة والزيادة في السومة الكرائية أراد حماية العقارات الموقوفة بالزيادة في قيمتها المالية.
ثانيا: الكراء القصير الأمد:
تناول المشرع المغربي في ظهير 21 يونيو 1913 في بابه الأول الكراء القصير الأمد وحدده في عامين إذا تعلق الأمر بعقارات مبنية وبعام واحد إذا تعلق الأمر بعقارات حراثية، و يرجع سبب تحديد المدة في سنتين وسنة إلى فتح باب مراجعة أجرة الكراء عند انتهاء المدة المحددة لتنمية مداخيل الأحباس لمواجهة النفقات المتزايدة لأنشطة الأوقاف المختلفة .
والملاحظ أن المشرع الحبسي لم يعمم هذا النوع من الأكرية على جميع الأملاك الموقوفة، بالرغم من الضمانات الكبيرة التي يمنحها للأوقاف، إلا أن مشرع مدونة الأوقاف تعميما للحماية فقد عمل على وجوب إتباع مسطرة السمسرة في كراء العقارات الموقوفة وهذا ما سوف نعالجه من خلال المطلب الموالي.
الإجراءات والوثائق الضرورية لكرائها
يستفاد من خلال المادة 82 من مدونة الأوقاف أن كراء العقارات الحبسية لا يمكن أن يتم إلا بعد إجراء سمسرة عمومية على خلاف القواعد العامة في عملية الكراء التي تقضي بأن يتم الكراء بتراضي الطرفين على الشيء المكرى وعلى الأجرة طبقا للفصل 628 من ق ل ع ، فكيف تتم هذه العملية؟
لمعالجة هذه الفقرة سنتناول الإجراءات المتبعة قبل إجراء السمسرة( الفقرة الأولى) ثم نعرج على تحديد السومة الكرائية( الفقرة الثانية).
الإجراءات السابقة على إجراء السمسرة
تتمثل هذه الإجراءات في توجيه مطالب خصوصية للإدارة و في عملية الإشهار التي يقوم بها الناظر.
أ) توجيه مطالب خصوصية للإدارة:
توجه مطالب خصوصية إلى ناظر الأحباس الذي يبلغها بدوره إلى الإدارة مرفقة بمجموعة من البيانات المنصوص عليها في ديباجة الباب الثاني من ظهير 21 يوليوز 1913 هي:
1) تعيين العقار الموقوف وموقعه وحدوده ومساحته على وجه التقريب.
2) أسماء وصفات طالب السمسرة ومحل سكناه والبلد الذي يوجد به العقار.
3) التزام الطالب قبل دفع قدر مقابل الكراء السنوي المبذول والمصاريف للناظر لتبتدئ المزايدة انطلاقا من القدر المذكور.
4) تقرير الناظر مضمنا لتاريخ إفراغ العقار وقدر كرائه السابق ولحالة الطالب وقدرته على الأداء.
وبمجرد توصل الإدارة بالمطالب، تتقدم للناظر برأيها في إمكانية إجراء السمسرة من عدم إجرائها إلى حين . وهذا يبين جليا الرقابة التي يفرضها المشرع لحماية العقارات الموقوفة والمحافظة عليها.
ب) إشهار عملية الكراء:
يقصد بالإشهار دعوة إدارة الأحباس بخصوص كراء العقار الموقوف أكبر عدد ممكن من الناس للمزايدة في السومة الكرائية ، لذلك أقر مشرع النظام المتعلق بتحسين حالة الأحباس العمومية على ضرورة الإعلان عن مواعيد وشروط السمسرة قبل إجرائها بمدة كافية لا تقل عن 20 يوما بالنسبة للعقارات المبنية و30 يوما بالنسبة لباقي العقارات الأخرى.
ويتم إشهار هذا الإعلان في الجريدة الرسمية وبتعليقه بمقر النظارة والمحكمة الابتدائية والقيادة و المقاطعة و المحافظة العقارية التي يوجد بدائرة كل منها الملك المراد كرائه وكذلك بنشره في صحيفتين يوميتين وذلك 20 يوما قبل إجراء السمسرة .
تحديد السمسرة للسومة الكرائية
أكد المشرع أن كراء العقارات الحبسية يتعين أن تمر عبر مسطرة السمسرة العمومية بشأن تحديد مقابل الكراء، إذ غالبا ما تقود هذه المسطرة إلى رفع المقابل بكيفية تفوق التصور مما يؤدي إلى عجز المكتري الذي رست عليه السمسرة عن الأداء فيلجأ إلى طلب التخفيض من القيمة الكرائية أو إلى إغلاق المحل.
و قد أحدث المشرع بمقتضى ظهير 21 يوليوز 1913 لجنة خاصة لإعطاء السمسرة مصداقية كبرى بعيدا عن المحاباة، إلا أن تركيبة اللجنة تختلف من كراء إلى آخر ، فبالنسبة للكراء القصير الأمد فتتكون من مراقب الأحباس في النظارات و عدلين و تكون الرئاسة للمراقب إن كان أو للناظر، أما بالنسبة للكراء ذي الأمد البعيد فإن لجنة السمسرة تتركب من قاضي المحل أو نائبه و مراقب الأحباس أو ناظرها و عدلين و تكون الرئاسة للقاضي أو نائبه، غير أنه قد تتغير الظروف الاقتصادية و الاجتماعية فيتم مراجعة السومة الكرائية كقاعدة عامة عن طريق الزيادة أو النقصان باتفاق أطراف العلاقة التعاقدية أو باللجوء إلى القضاء.
فقد نص ظهير 25 دجنبر 1980 في فصليه 2 و5 على هذه المراجعة بإعطائه لكل مكتري الحق في المطالبة بمراجعة الوجيبة الكرائية أمام القضاء داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إبرام العقد خصوص إذا تبين أن الوجيبة الكرائية لا تتناسب مع المردودية المشروعة للرأسمال
المبحث الثالث: انقضاء الوقف:
فيما يخص انقضاء الوقف نجد أن المادة 49 من المدونة اشترطت توفر حالتين وهما:
انتهاء المدة إذا كان مؤقتا وهلاك الأصول الوقفية مع استحالة إمكانية التعويض، فإن كان كذلك فالوقف لا ينتهي وإنما يتحول إلى العين المعوض بها. وهنا يمكن الحديث عن الهلاك الجزئي للوقف. وهذا ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من المادة 49″ إذا هلك المال الموقوف هلاكا جزئيا فإن الوقف يستمر على الجزء الباقي وعلى ما يعوض الجزء الهالك”.
والملاحظ أنه فيما يخص الوقف المعقب نص المشرع على حالات خاصة ينتهي بها فبالإضافة إلى انتهاء المدة إذا كان محددا، نجد الحالة المنصوص عليها في المادة 109 لايجوز إنشاء الوقف المعقب إلا في حدود ثلاث طبقات وإذا شمل عقد الوقف أكثر اعتبر باطلا باستثناء الأوقاف المنشأة قبل دخول المدونة حيز التنفيذ. أو بانتهاء طبقاته المحددة بالنسبة للأوقاف المستقبلية، ينتهي هذا الوقف برجوع الواقف وهذا ما نصت عليه المالكية على خلاف الجمهور، وهو الرأي الذي أخدت به مدونة الأوقاف المغربية كمبدأ عام ولكنها لم تسوغ للواقف الرجوع في وقفه في جميع الأحوال، وذلك حماية لحقوق الموقوف عليهم نظرا لما قد ينجم عن هذا الرجوع من ضرر لم يكن مقدرا ولا متوقعا وقت الوقف حيث قصرت المادة 37 هذا الأمر على الحالتين المنصوص عليهما في مدونة الأوقاف.
إضافة إلى ما سبق يتجلى الانقضاء للوقف المعقب عن طريق التصفية، التي تتم بالقسمة العينية للمال الموقوف في حالة القابلة لذلك وإلا بيع بالمزاد العلني ووزع ثمنه بين المستحقين، إلا أن هذه التصفية ليست محل إتفاق فقهي، فجمهور المالكية يرى أنه يمنع بيع العقار المحبس ولو خرب، وذلك خوف اتخاذ هذا الأمر ذريعة إلى بيع الاحباس وأكل أثمانها، ولأنه لا ييأس من إصلاحه إما من طرف بعض الأعقاب وإما بإيجاد من يصلحه بإيجار سنتين فيعود كما كان.
ولقد قسم المالكية الأوقاف بالنسبة لبيعها إلى ثلاثة أقسام:
أحدها المساجد: لا يحل بيعها أصلا بالإجماع.
الثاني – العقار لا يباع وإن خرب. ولا يجوز الاستبدال به غيره من جنسه، كاستبداله بمثله غير خرب، ولا يجوز بيع أنقاضه من أحجار أو أخشاب، لكن ان تعذر عودها في الموقوف، جاز نقلها في مثله،
ويجوز بيع العقار الموقوف في حالة واحدة، وهي أن يشتري منه حسب الحاجة لتوسعة مسجد أو طريق.
الثالث -العروض والحيوان إذا ذهبت منفعتها، كأن يهرم الفرس، وبخلق الثوب، بحيث لا ينتفع بها، يجوز بيع الموقوف وصرف ثمنه في مثله، فإن لم تصل قيمته الى شراء شيء كامل، جعلت في نصيب من مثله
الخلو: بناء على ما قرره المالكية من منع بيع الوقف وأنقاضه، ولو خرب، هل يجوز للناظر إذا خرب الوقف وتعذر عوده لانتاج غلة وأجرة، بأن لم يجد ما يعمر به من ريع الوقف ولا أمكنه إجارته بما يعمره: أن يأذن لمن يعمره من عنده ببناء أو غرس على أن البناء أو الغراس يكون الباني أو الغارس ملكا وخلوا يباع ويورث عنه، لأن العمارة تكون لصاحبها، ويجعل في نظير الأرض الموقوفة حكرا (مبلغا دائما) يدفع للمستحقين أو لخدمة المسجد؟
أفتى بعضهم وهو الشيخ الخرشي بالجواز وأجازه الحنفية وهذا هو الذي يسمى خلوا، وقال الدردير شارح متن خليل: وهي فتوى باطلة قطعا، وحاشا المالكية أن يقولوا بذلك: لأن منفعة الموقوف موقوفة، لا تملك بهذا العمل.
وهدا الخلاف الفقهي لا زال الى اليوم منعكسا على آراء الجهات العلمية المغربية، فقد دهب المجلس العلمي لمدينة فاس بجواز هذه التصفية، بينما ذهبت أغلب المجالس العلمية ورابطة المغرب إلى منع ذلك مطلقا وقد كان المبرر هو حماية مقاصد الواقفين.
وقد نصت المادة 122 من مدونة الأوقاف على الحالات التي تصفى بها الأوقاف المعقبة والمادة 123 على الجهة المخول لها بالتصفية. وقد نصت على أن هذه التصفية تتم إما بمبادرة من إدارة الأوقاف، وإما بطلب من أغلبية المستفيدين، وفي كلتا الحالتين يعهد إلى السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف بإحالة ملف التصفية، وذلك بموجب مقرر، على لجنة خاصة تحدت لهذا الغرض، تسمى “لجنة التصفية”.
والملاحظ أنه لحد الساعة لم يصدر أي قرار عن السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف يحدد تشكيل هذه اللجنة وكيفية عملها رغم تنصيص المدونة على هذا الأمر.
والجدير بالملاحظة أن مرسوم 18 أبريل 1979(يعهد للجنة المكلفة بالتصفية الأوقاف المعقبة والمشتركة مهمة اتخاذ القرار ة اختيار الطريقة الفعلية والمثلى للتصفية حيث يمكن لها أن تأمر بالقسمة، وعند تعذرها يمكن أن تأمر بالبيع بالمزاد العلني، خلافا لمدونة الأوقاف الجديدة التي جعلت اتخاذ قرار التصفية من عدمه بيد السلطة الحكومية يترتب على صدور قرار التصفية الآثار التالية:
أولا: إخراج المال الموقوف وقفا معقبا من دائرة الاحباس؛
ثانيا: صيرورته ملكا خاصا؛
ثالثا: استحقاق الأوقاف العامة نسبة الثلث من المال مالم يتعلق الأمر بمحل لازم لسكنى المستفيدين.
خاتمة
استعرضت في هذه الدراسة احكام الوقف طبقا لمدونة الأوقاف و الفقه المالكي ( دراسة مقارنة ) وحاولت من خلالها ربط هذا القانون بأصوله الشرعية كلما اقتضت الحاجة ذلك واستخلصت من هذه الدراسة عدة نتائج قانونية وهي أن المغرب يتوفر على قانون مستقل للوقف يلبي متطلبات المجتمع و ان المغرب يعد من الدول العربية القليلة التي قعدت للوقف وهي سابقة في التشريعات. العربية المتعلقة بالوقف كما ان سلطة الاشراف على الوقف في المغرب هي تمارس بواسطة مؤسسة امارة المؤمنين وتحت مسؤولية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية